ما يجري خلف الكواليس الفلسطينية لم يعد مجرد نقاش حول تشكيل حكومة تكنوقراط، بل بات صراعاً صريحاً على مفاتيح النفوذ داخل المجتمع. وفي قلب هذا الصراع، يبرز اسم حسني المغني كعنوان لمرحلة جديدة، تحاول فيها حركة حماس تثبيت حضورها ليس فقط في السياسة، بل في البنية الاجتماعية نفسها.
القضية هنا لا تتعلق بشخص، ولا حتى بملف إداري محدود، بل بمن يملك القدرة على إدارة المجتمع من داخله. فالعشائر في الحالة الفلسطينية ليست إطاراً اجتماعياً تقليدياً فحسب، بل شبكة تأثير تمتد إلى الأمن المجتمعي، وحل النزاعات، وضبط الشارع، بل وأحياناً التأثير في القرار السياسي غير المباشر. ومن يسيطر على هذا الملف، يمتلك مفاتيح هادئة لكن شديدة الفعالية للنفوذ.
حكومة تكنوقراط… أم حكومة توازنات؟
من الناحية النظرية، يُفترض أن حكومة التكنوقراط تقوم على الكفاءة المهنية والحياد السياسي. لكن الواقع الفلسطيني يثبت مرة أخرى أن لا شيء خارج الحسابات الفصائلية.
فإذا كانت حماس قادرة فعلاً على فرض اسم في ملف حساس كالعشائر، فهذا يعني أن الحكومة المفترضة ليست حكومة اختصاصيين، بل حكومة موزّعة النفوذ مسبقاً.
وهنا يكمن جوهر المسألة:
ليست المشكلة أن فصيلاً يريد حصته، بل أن الحصة هذه المرة ليست وزارة، بل بوابة المجتمع نفسه.
لماذا العشائر تحديداً؟
لأن العشائر هي ما تبقّى من أدوات الضبط الداخلي في مجتمع منهك سياسياً واقتصادياً.
هي الوسيط عندما تفشل المؤسسات، وهي الضامن عندما تغيب السلطة، وهي الجسر بين السياسة والشارع.
ولهذا، فإن وضع هذا الملف تحت نفوذ جهة بعينها يعني امتلاك قدرة طويلة الأمد على التأثير، تتجاوز الحكومات والاتفاقات. فالحكومات تتغير، لكن البنية الاجتماعية تبقى.
ما الذي تقوله هذه الخطوة سياسياً؟
إن صحّت المعطيات، فنحن أمام رسالة واضحة:
حماس لا تريد فقط مكاناً في الحكومة، بل تريد أن تضمن أن أي صيغة حكم قادمة لن تستطيع تجاوز حضورها داخل المجتمع نفسه.
وهذا يعكس تحولاً في التفكير السياسي للحركة، من الصراع على السلطة الرسمية إلى ترسيخ النفوذ الاجتماعي، وهو نفوذ أكثر استقراراً وأقل عرضة للتقلبات السياسية.
المخاطر الكامنة
لكن تحويل العشائر إلى ساحة نفوذ سياسي يحمل خطراً كبيراً.
فعندما تُسحب العشائر من دورها الجامع وتُدفع إلى الاصطفاف، فإنها تفقد قدرتها على الوساطة، وتتحول من صمام أمان إلى جزء من الاستقطاب.
وعندها لا تخسر السياسة فقط، بل يخسر المجتمع أيضاً إحدى أدوات تماسكه الأخيرة.
الخلاصة
ما يجري ليس تفصيلاً إدارياً، بل معركة صامتة على شكل النظام الفلسطيني المقبل.
فمن يحدد من يدير العشائر، يحدد – إلى حد بعيد – من يدير المجتمع.
وفي السياسة الفلسطينية، من يدير المجتمع اليوم… قد يدير السلطة غداً.
التاريخ 18-2-2026


