بقلم د ابراهيم فريد عسليه
محاضر في اخلاقيات الاعلام
لم تعد التصريحات التي أطلقها القيادي في حركة فتح عزام الأحمد مجرد موقف سياسي قابل للتأويل، بل بدت وكأنها محاولة صريحة لمنح غطاء سياسي لحركة حركة حماس في لحظة يُفترض فيها أن يكون الخطاب الفلسطيني أكثر وضوحاً وحسماً لا أكثر التباساً ومجاملة.
تبرير بدل محاسبة
ما صدر عن الأحمد لم يكن دعوة للوحدة بقدر ما كان هروباً من طرح السؤال الجوهري: من يتحمل المسؤولية السياسية عن ما جرى ويجري؟
فالخطاب الذي يتجنب تسمية الأخطاء، ويستبدل المساءلة بلغة عمومية عن “الظروف” و“الوحدة”، لا يصنع توافقاً وطنياً بل يشرعن الفوضى السياسية.
حين يتحدث قيادي في فتح بهذه اللغة، فإن الرسالة التي تصل للداخل والخارج واحدة: لا توجد محاسبة، ولا يوجد سقف سياسي واضح، بل محاولة لإبقاء التوازن الداخلي حتى لو كان ذلك على حساب الموقف الوطني نفسه.
شرعية مجانية لحماس
الأخطر في هذه التصريحات أنها تمنح حماس ما لم تستطع تحقيقه سياسياً: شرعية ضمنية من داخل النظام السياسي الفلسطيني نفسه.
فبدلاً من أن تكون فتح في موقع من يحدد شروط إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، ظهرت وكأنها تسعى إلى استرضاء حماس أو التكيّف مع نفوذها.
وهذا التحول لا يُقرأ فقط كتكتيك سياسي، بل كعلامة على تراجع قدرة القيادة الرسمية على فرض تصورها لمستقبل النظام الفلسطيني، ورضوخها لمنطق الأمر الواقع.
أزمة داخل فتح قبل أن تكون مع حماس
المشكلة لم تعد فقط في الانقسام الفلسطيني، بل في غياب خطاب واضح داخل فتح نفسها. فالتصريحات تكشف أن الحركة لم تحسم رؤيتها:
هل تريد شراكة سياسية بشروط واضحة؟
أم أنها تخشى المواجهة فتختبئ خلف شعارات الوحدة؟
في السياسة، الضبابية ليست حياداً، بل ضعفاً. وكلما طال هذا النهج، تحولت فتح من قوة تقود المشهد إلى طرف يحاول التكيف معه.
لحظة تتطلب مواجهة لا مهادنة
المرحلة الحالية ليست وقت المجاملات السياسية ولا الرسائل المزدوجة. إنها لحظة تحتاج إلى وضوح في تعريف المسؤوليات، وصراحة في تحديد المسار السياسي، لا خطاب يساوي بين الجميع ويُبقي الأزمة معلقة.
فالوحدة الوطنية لا تُبنى بتجاهل الخلافات، بل بحسمها ضمن رؤية سياسية واضحة. وأي خطاب يمنح شرعية مجانية دون مقابل سياسي واضح، لا يخدم الوحدة بل يكرّس الانقسام.
الخلاصة
تصريحات عزام الأحمد لم تكن مجرد زلة سياسية، بل تعبير عن أزمة أعمق في القرار داخل فتح. فهي تكشف قيادة مترددة، وخطاباً يخشى الحسم، ونهجاً يمنح خصومه ما يحتاجونه دون أن يحقق لشعبه ما يستحقه.
وفي لحظة مفصلية كهذه، قد لا يكون أخطر ما يواجه الفلسطينيين هو الانقسام ذاته، بل استمرار خطاب سياسي يبرره بدلاً من إنهائه.
التاريخ 25-2-2026


