General union of palestinian journalists in the UK

بريطانيا وإسرائيل.. معركة العقوبات على المستوطنات: من سينتصر؟

بريطانيا وإسرائيل.. معركة العقوبات على المستوطنات: من سينتصر؟

بقلم دكتور ابراهيم فريد عسليه
صحفي ومحاضر في اخلاقيات الاعلام

تدخل المواجهة بين بريطانيا وإسرائيل بشأن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مرحلة أكثر حساسية، بعدما انتقلت لندن من الاكتفاء بالانتقاد السياسي إلى التلويح بإجراءات اقتصادية ودبلوماسية أكثر اتساعًا. وفي المقابل، بدأت الحكومة الإسرائيلية تلوّح بأن أي عقوبات بريطانية جديدة ستقابل بإجراءات مضادة

من أين بدأت الأزمة؟

الموقف البريطاني أصبح أكثر وضوحًا خلال عام 2026. فقد فرضت لندن، بالتنسيق مع دول حليفة، عقوبات على أفراد وكيانات متهمة بتمويل أو تسهيل عنف المستوطنين في الضفة الغربية، شملت تجميد أصول وقيودًا أخرى. كما شددت الحكومة البريطانية إرشاداتها للشركات، مطالبة إياها بعدم ممارسة أنشطة اقتصادية ومالية في المستوطنات التي تعتبرها غير قانونية بموجب القانون الدولي.

لكن نقطة التحول الأكبر جاءت مع مشروع E1 الاستيطاني. بريطانيا ومعها مجموعة واسعة من الدول الأوروبية وغيرها اعتبرت المشروع تهديدًا مباشرًا لإمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، وحذرت الشركات من المشاركة في مناقصاته.

لماذا تخشى إسرائيل العقوبات البريطانية؟

قد يبدو حجم التجارة البريطانية مع إسرائيل محدودًا مقارنة بعلاقات إسرائيل الاقتصادية مع الولايات المتحدة وأوروبا ككل، ولذلك فإن العقوبات البريطانية وحدها لن تؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإسرائيلي.

لكن المشكلة بالنسبة لإسرائيل أكبر من حجم التجارة.

بريطانيا دولة ذات وزن دبلوماسي وقانوني كبير، وأي إجراءات تتخذها لندن يمكن أن تصبح سابقة لبقية الدول الأوروبية.

وهنا تكمن الخطورة.

إذا تحولت العقوبات من بريطانيا وحدها إلى سياسة أوروبية جماعية تجاه المستوطنات، فإن الشركات والبنوك والمستثمرين سيصبحون أكثر حذرًا من التعامل مع المشاريع الاستيطانية، ليس فقط خوفًا من العقوبات، وإنما خوفًا من المخاطر القانونية والسمعة التجارية.

وهذا بالضبط ما تحاول لندن دفعه: جعل تكلفة النشاط الاقتصادي في المستوطنات أعلى تدريجيًا

إسرائيل تلوّح بالرد

لكن إسرائيل لا تبدو مستعدة لقبول الضغط البريطاني من دون مواجهة.

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر حذر من أن إسرائيل تمتلك أدوات للرد إذا اتخذت بريطانيا إجراءات ضدها، بينما قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إن إسرائيل تستعد لإجراءات سياسية واقتصادية مضادة في حال فرض عقوبات جديدة.

وهنا تدخل المعركة مرحلة “الردع المتبادل”: بريطانيا تقول إن لديها أدوات اقتصادية ودبلوماسية، وإسرائيل تقول إن لديها أدوات للرد.

لكن السؤال هو: أي طرف يستطيع تحمل هذه الحرب لفترة أطول؟

نقطة قوة بريطانيا: التحالف

أقوى ورقة في يد لندن ليست العقوبات البريطانية وحدها، وإنما قدرتها على تحويل الملف إلى قضية أوروبية ودولية مشتركة.

فبيان أغسطس بشأن مشروع E1 ضم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمفوضية الأوروبية وعددًا كبيرًا من الدول الأخرى، ما يعكس اتساع المعارضة الدولية للمشروع.

إذا بقيت القضية بريطانية ـ إسرائيلية فقط، تستطيع إسرائيل على الأرجح امتصاص جزء كبير من الضغط.

أما إذا أصبحت القضية:

بريطانيا + فرنسا + ألمانيا + دول أوروبية أخرى + إجراءات مالية وتجارية منسقة

فإن الحسابات الإسرائيلية تصبح أكثر صعوبة.

لكن لدى إسرائيل ورقة أقوى: الولايات المتحدة

المشكلة الأكبر أمام بريطانيا هي أن واشنطن لا تزال العامل الأكثر تأثيرًا في المعادلة.

فحتى لو قررت لندن اتخاذ إجراءات قوية ضد المستوطنات، فإن تأثيرها سيكون محدودًا إذا بقيت الولايات المتحدة رافضة لتوسيع العقوبات ضد إسرائيل.

ولهذا فإن إسرائيل لا تنظر إلى لندن باعتبارها الخصم الوحيد. المعركة الحقيقية هي على الموقف الغربي الجماعي

من سينتصر؟

الحقيقة أن هذه ليست معركة يمكن أن تنتهي بانتصار كامل لطرف وهزيمة كاملة للطرف الآخر.

إسرائيل تستطيع منع بريطانيا من فرض تغيير سريع في السياسة الاستيطانية، لكن بريطانيا تستطيع رفع تكلفة الاستيطان سياسيًا واقتصاديًا.

لذلك يمكن تقسيم النتيجة إلى ثلاثة مستويات:

دبلوماسيًا: بريطانيا تتقدم، خصوصًا إذا نجحت في بناء تحالف أوروبي واسع.

اقتصاديًا: التأثير البريطاني وحده محدود، لكنه قد يصبح مهمًا إذا تحول إلى سياسة أوروبية مشتركة.

على الأرض: إسرائيل لا تزال تملك القدرة الأكبر على فرض الوقائع الميدانية، ولذلك فإن العقوبات وحدها لن توقف التوسع الاستيطاني ما لم تقترن بضغوط دولية أوسع.

المعركة الحقيقية بدأت الآن

الأيام والأسابيع القادمة ستكون حاسمة. بريطانيا أعلنت بالفعل أنها تبحث عن “خطوات ملموسة” إضافية ضد التوسع الاستيطاني، فيما تشير التصريحات الإسرائيلية إلى استعدادها للرد.

‏التاريخ 4-9-2026

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *