General union of palestinian journalists in the UK

المافيا الاقتصادية في غزة احتكار الاستيراد الذي يعمّق المأساة الإنسانية ويهدد أمن إسرائيل نفسه

*المافيا الاقتصادية في غزة: احتكار الاستيراد الذي يعمّق المأساة الإنسانية ويهدد أمن إسرائيل نفسه*

بقلم القيادي الفلسطيني: سامر السنجلاوي

بينما انشغل العالم بالحرب الدائرة في غزة وبالكارثة الإنسانية التي يعيشها سكانها، كان هناك نظام آخر، أقل ظهوراً لكنه لا يقل خطورة، يعمل بعيداً عن الأضواء ويستحق وقفة جادة وتحقيقاً شاملاً. فمنذ بداية الحرب، اعتمدت السلطات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بحسب ما يؤكده العديد من التجار داخل غزة، على قائمة حصرية تضم ثلاثة عشر شخصاً فقط، هم المخولون باستيراد البضائع التجارية إلى القطاع. ورغم أن بعض الأسماء تغيرت من وقت إلى آخر، فإن جوهر النظام بقي كما هو: احتكار حق الاستيراد من قبل مجموعة صغيرة، وإقصاء مئات التجار الحقيقيين الذين شكّلوا لعقود العمود الفقري للاقتصاد الغزي.

وكانت آخر قائمة اعتمدتها إسرائيل، في تشرين الأول/أكتوبر 2025، تضم كلاً من: مصطفى عيد، محمد الخزندار، محمد البرقي، رياض داود، محمد دردساوي، مهند أبو حلوب، سامح عثمان، رائد أبو مرعي، عيادة الريفي، محمد الخضري، بكر أبو حليمة، سهيل أبو حليمة، ومحمود أبو مرعي. ليست المشكلة في الأشخاص أنفسهم، بل في النظام الذي منحهم هذا الاحتكار.

فبحسب شهادات عدد كبير من التجار في غزة، فإن هؤلاء لا يقومون بدور المستوردين الحقيقيين، بل يعملون في الأساس كوسطاء بين التجار الفعليين والسلطات الإسرائيلية. وأصبح أي تاجر يرغب في إدخال بضاعته مضطراً للمرور عبر أحد هؤلاء الوسطاء. ويؤكد عدد من التجار أن العمولات التي يتقاضاها هؤلاء الوسطاء تتراوح بين 150 ألفاً و400 ألف شيكل عن كل شاحنة، وفقاً لنوع البضاعة. وإذا كانت هذه الأرقام صحيحة، فإن أرباح كل واحد منهم قد تصل إلى نحو مليون شيكل يومياً مقابل احتكار حق التنسيق والاستيراد. إن آثار هذا النظام تتجاوز بكثير تحقيق الأرباح الطائلة. فكل عمولة إضافية يتحملها التاجر تنعكس في النهاية على المواطن الفلسطيني في غزة. وترتفع أسعار المواد الغذائية والأدوية ومواد البناء والوقود والسلع الأساسية الأخرى، في وقت يعيش فيه سكان القطاع واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وفي الوقت نفسه، تم إقصاء مئات رجال الأعمال الفلسطينيين الذين يمتلكون خبرة طويلة وشبكات تجارية واسعة، ليحل محلهم نظام يبدو أن معياره الأساسي هو الامتياز الحصري، لا الكفاءة ولا الخبرة ولا المنافسة. والاحتكار الاقتصادي يخلق، بطبيعته، سوقاً سوداء. فعندما تصبح القدرة على الاستيراد مرتبطة بتصاريح حصرية بدلاً من قواعد واضحة وشفافة، تنتشر المحسوبيات والفساد وشبكات المال غير الرسمية. وفي أجواء الحروب، يولد اقتصاد استثنائي يحقق فيه قلة قليلة ثروات هائلة، بينما يدفع المجتمع بأكمله الثمن. وقد أثبتت تجارب عديدة في المنطقة أن مثل هذه الاحتكارات التي تنشأ أثناء الحروب لا تبقى مجرد ظاهرة اقتصادية، بل تتحول مع مرور الوقت إلى مراكز نفوذ سياسي وأمني يصعب تفكيكها.

وهذا يجب أن يقلق الإسرائيليين بقدر ما يقلق الفلسطينيين. فإسرائيل تعلن باستمرار أن هدفها الاستراتيجي هو إضعاف التنظيمات المتطرفة، وتعزيز الاستقرار، وتهيئة الظروف لواقع مختلف في غزة. لكن إنشاء نظام اقتصادي مغلق يراكم ثروات هائلة في أيدي عدد محدود من الأشخاص قد يؤدي إلى النتيجة المعاكسة تماماً. فبدلاً من تمكين القطاع الخاص الفلسطيني الحقيقي، يتم إضعافه. وبدلاً من تشجيع الشفافية، تتم مكافأة الامتيازات الحصرية. وبدلاً من وضع الأسس اللازمة لإعادة إعمار غزة بعد الحرب، يجري خلق طبقة جديدة من المنتفعين الذين قد تصبح مصالحهم مرتبطة باستمرار الاحتكار واستمرار حالة الفوضى.

ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة: لماذا يستمر هذا النظام الاحتكاري حتى اليوم؟ ما هي المعايير الموضوعية التي يتم على أساسها اختيار الأشخاص المسموح لهم بالاستيراد؟ ولماذا تم استبعاد معظم كبار التجار المعروفين في غزة؟ ومن يراقب الأموال الضخمة التي تنتج عن هذه العمولات؟ وهل قامت مؤسسات الرقابة الإسرائيلية بفحص ما إذا كان هذا النظام يخدم فعلاً المصالح الأمنية الإسرائيلية على المدى البعيد؟وهل تم التحقيق فيما إذا كانت هناك شبهات فساد مالي تمتد إلى ما هو أبعد من دائرة التجار المستفيدين أنفسهم؟ هذه ليست اتهامات، بل أسئلة تستحق إجابات شفافة.

لقد أثبت الإعلام الإسرائيلي، على مدار عقود، أنه من أكثر وسائل الإعلام جرأة في كشف قضايا الفساد ومحاسبة أصحاب النفوذ، وساهم بذلك في تعزيز قوة الديمقراطية الإسرائيلية. وهذه القضية تستحق المستوى ذاته من التحقيق والاستقصاء. ومن هنا، أدعو وسائل الإعلام الاسرائيلية الاستقصائية، إلى فتح تحقيق مستقل وشامل في نظام تصاريح الاستيراد إلى غزة. وينبغي لهذا التحقيق أن يحدد كيف تم اختيار المستوردين المعتمدين، وما هي آليات الرقابة التي كانت قائمة، وهل جرى الحفاظ فعلاً على المصلحة العامة، وما إذا كان أي شخص، داخل القطاع التجاري أو خارجه، قد استفاد مالياً بصورة غير مشروعة من هذا النظام. فإذا كشف هذا التحقيق عن إخفاقات هيكلية، أو ممارسات احتكارية، أو شبهات فساد مالي، فإن معالجتها لن تخدم الفلسطينيين وحدهم، بل ستخدم أيضاً الأمن القومي الإسرائيلي. إن غزة مستقرة لا يمكن أن تُبنى على اقتصاد يقوم على الاحتكار، والمحسوبية، والثراء الناتج عن ظروف الحرب. لأن الأمن المستدام لا يتحقق إلا بالشفافية، والمساءلة، والمؤسسات الفاعلة، والأسواق التنافسية، وسيادة القانون.

إن تجاهل البعد الاقتصادي للأزمة في غزة اليوم قد يكون سبباً في صناعة التهديدات الأمنية التي ستواجهها إسرائيل غداً.

‏التاريخ 5-7-2026

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *