محاضر في اخلاقيات الصحافه
كلما عاد الحديث عن اعتراف المملكة المتحدة بـ دولة فلسطين، يتكرر خطاب يُلمّح إلى أن التحول قد يكون نتيجة جهد سفير بعينه أو تحرك دبلوماسي فردي. غير أن هذا الطرح لا يصمد أمام أي قراءة سياسية جادة؛ إذ يحوّل قضية تحرر وطني ممتدة لعقود إلى إنجاز بيروقراطي، ويختزل تاريخاً من التضحيات في مبادرة شخصية عابرة.
القضية لا تُصنع في السفارات بل في التاريخ
لم تصبح فلسطين بنداً دائماً على جدول السياسة الدولية بسبب براعة خطاب دبلوماسي أو نجاح لقاء رسمي.
بل فرضت نفسها عبر مسار طويل من الصراع، دفع فيه الفلسطينيون أثماناً بشرية وسياسية واقتصادية هائلة.
من الانتفاضات الشعبية إلى الحضور القانوني في المؤسسات الدولية، تراكمت عناصر القضية حتى بات تجاهلها مكلفاً سياسياً للد
ول الغربية نفسها.
بمعنى أوضح:
الدبلوماسية لا تخلق القضايا من العدم، بل تأتي لاحقاً لتدير نتائج وقائع صنعها الناس على الأرض.
وهم “صانع الاعتراف”
الحديث عن دور شخص بعينه في دفع بريطانيا نحو الاعتراف بفلسطين يندرج ضمن نزعة سياسية قديمة تبحث دائماً عن “بطل فردي” لتفسير التحولات الكبرى.
لكن السياسة الخارجية للدول الكبرى لا تعمل بهذه الطريقة.
الاعتراف بالدول تحديداً يُعد من أكثر القرارات تعقيداً، لأنه يمس:
هن
ليست بريطانيا دولة محايد • توازنات التحالفات الدولية
• العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا
• حسابات الأمن الإقليمي
• اتجاهات الرأي العام الداخلي
• صورة الدولة الأخلاقية في العالم
وبالتالي، فإن نسب الاعتراف المحتمل إلى دبلوماسي واحد لايعتبر اكثر من تلميع اعلامي وايقو ذاتي لهذا السفير او ذاك لا يعكس فهماً لآليات صنع القرار بقدر ما يعكس رغبة في تبسيط المشهد أو احتكار الفضل.
بريطانيا بين الماضي الاستعماري والضغط السياسي الر
اة في هذه القضية حتى يُفسَّر موقفها بمبادرة شخصية.
فهي قوة انتداب سابقة، وصاحبة دور تاريخي في تشكيل مسار الصراع، ما يجعل أي خطوة اعتراف محتملة مرتبطة بإرث سياسي ثقيل وبنقاش أخلاقي داخلي متصاعد.
اليوم، تتزايد الضغوط داخل المجتمع البريطاني — في البرلمان، والجامعات، والنقابات، ووسائل الإعلام — لمراجعة الموقف من القضية الفلسطينية.
وهذا النوع من التحولات لا يحدث بسبب تحرك دبلوماسي منفرد، بل نتيجة تغير تدريجي في المزاج السياسي العام.
الحقيقة التي يتجنبها الخطاب الرسمي الفلسطيني
الاعتراف بالدول لا يُمنح مكافأةً، بل يُنتزع عندما تصبح كلفة عدم الاعتراف أعلى من كلفة الاعتراف.
وهذه القاعدة تنطبق على فلسطين كما انطبقت على دول كثيرة قبلها.
لهذا، فإن اعتراف بريطانيا بدوله فلسطين لم يكن يوما “إنجاز سفير”، بل اعترافاً متأخراً بحقيقة فرضها التاريخ:
أن الشعب الفلسطيني نجح، رغم كل شيء، في إبقاء قضيته حيّة ومطروحة على العالم
خاتمة :اعتراف بريطانيا ودول اوروبيه اخري بدوله فلسطين كان نتيجة مباشرة لتضحيات شعب فرض وجوده على جدول العالم، رغم محاولات التهميش وال
نسيان.لايحسب هذا الاعتراف لاي فصيل او سفير يحسب فقط للشعب الذي ضحي بدمه وقوته وماله وتضحياته.

التاريخ 24-2-2026


